الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

251

مختصر الامثل

التّفسير تعقيباً على الآيات السابقة التي حذّر القرآن فيها الكافرين من الاغترار بالمال والأبناء والأتباع ، جاءت هذه الآية شاهداً حيّاً على هذا الأمر ، فتدعوهم إلى الاعتبار بما جرى في معركة بدر التاريخية . « قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا » . كيف لا تكون لهم عبرة وهم يرون أنّ جيشاً صغيراً لا يملك شيئاً من العدّة سوى الإيمان الراسخ ينتصر على جيش يفوقه أضعافاً في العدد والعدّة . « يَرَوْنَهُم مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ » . تقول الآية : إنّ الكفار كانوا يرون جند المسلمين ضعف عددهم ، أي أنّهم إذا كانوا 313 شخصاً كان الكفار يرونهم أكثر من 600 شخص ، ليزيد من خوفهم ، وكان هذا أحد أسباب هزيمة الكفار . « وَاللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ » . تشير الآية إلى حقيقة أنّ اللَّه ينصر من يشاء . « إِنَّ فِى ذلِكَ لَعِبْرَةً لّاُولِى الْأَبْصَارِ » « 1 » . في ختام الآية يؤكّد سبحانه أنّ الذين وهبوا البصيرة بحيث يرون الحقائق كما هي ، يعتبرون بهذا الانتصار الذي أحرزه أناس مؤمنون ، ويدركون أنّ أساس هذا الانتصار هو الإيمان . . . الإيمان وحده . زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) تعقيباً على الآيات السابقة التي اعتبرت الإيمان رأس المال الحقيقي للإنسان - لا المال والبنين والأنصار - تشير هذه الآية إلى حقيقة أنّ الزوجة والأبناء والأموال إنّما هي ثروات تنفع في الحياة المادية هذه ، ولكنها لا يمكن أن تشكّل هدف الإنسان الأصيل ، صحيح أنّه بغير هذه الوسائل لا يمكن السير في طريق السعادة والتكامل المعنوي ، إلّاأنّ الاستفادة منها في هذا السبيل شيء وحبّها وعبادتها - بغير أن تكون مجرد وسيلة يستفاد منها - شيء آخر .

--> ( 1 ) « عبرة » : في الأصل من مادة « عبور » بمعنى الإنتقال من مرحلة إلى أخرى أو من مكان إلى آخر ، ويقال لدمع العين « عبرة » على وزن « حسرة » لأنه يعبر من العين ، ويقال للكلمات التي تمر من خلال اللسان والاذن « عبارات » أيضاً ، وكذلك يقال للحوادث « عبرة » لأجل أن الإنسان عندما يراها يعلم بمخلفاتها من الحقائق .